لم يجل في خاطري أن أدخل عالم التجارة الالكترونية المتسارع وتجارة عسل المانوكا وخصوصا أنني للتو قد بدأت دراسة مرحلة الدكتوراه. كان ذلك في أواخر عام 2017 حيث كانت القراءة في مجال بحثي تشغل جل يومي والجزء الآخر كان مايتبقى لاسرتي الصغيرة.
كنت قد اعتدت أن ارى امورا غريبة في استراليا لم أالف رؤيتها من قبل في السعودية. بدأت القصة عندما كنت أتجول في أحد الاسواق حيث رأيت على الرف عبوة صغيرة من العسل في صندوق شفاف مقفل. لم يكن أمراً مألوفاً ولم أره مع المنتجات الاخرى و لم يكن لي سبيلا الا أن اسأل عنه. ذهبت لأحد العاملين وسألته عن ذلك فقال لي انه لايسمح بخروجه من الصندوق الا بعد دفع قيمته عند الكاشير. قلت ولكن لماذا هذا النوع فقط؟ قال لأنه يتم سرقته باستمرار لصغر حجمه وغلاء سعره وكثرة الطلب عليه حتى أن بعض الصحف قد كتبت عن هذا الامر.

العسل الخارق
كان الامر غريباً لدرجة انني لم اتجاوزه فعدت الى البيت وبدأت البحث عن هذا النوع الغريب من العسل والذي يسمى عسل المانوكا. كنت اقرأ عن خصائص هذا العسل وتصنيفاته و مايكتب حوله فأنا لم أسمع عنه من قبل. فوجدته أغلى أنواع العسل في العالم وإن بعض أنواعه تصل لاسعار لايتخيلها العقل. فبدأت اسأل نفسي عن اسباب تفاوت الاسعار وتفاوت الاحجام وغيرها من الاسئلة التي بدأت تتبادر الى ذهني. كانت جميع الاجابات تدور حول عنصر يحتويه هذا العسل يسمى عنصر MGO أو الميثيل جلايوكسال. هذا العنصر بكل بساطة وصفوه بأنه مضاد حيوي طبيعي حتى أن بعض الدراسات العلمية المنشورة قالت بانه أقوى انواع المضادات الحيوية التي عرفها الانسان. لم استطع الخروج من هذا البحث الا بعد ان اتخذت قرار شراء هذا العسل والذي يتم وصفه با (super food) أو الغذاء الخارق.
جربته شخصيا أولا
دخلت احد المواقع واشتريت علبة من عسل المانوكا النيوزلندي بقرابة ال 12 دولار وعندما وصلتني بدأت بتناول هذا العسل. فقد كنت وقتها أعاني من ارتجاع مريئي وقد قرأت ان عسل المانوكا يعتبر أحد الاغذية التي تستخدم للسيطرة عليه. مرت الاسابيع ولم أحصل على ما اردت وحينها شعرت بخيبة أمل وظننت أني قد كنت سخيفا لتصديق كل ماقرأته. بعد فتره من الزمن وعندما كنت أتحدث مع عمي الذي تخرج حينها من استراليا وبدأ العمل في المستشفى الجامعي كطبيب متخصص في علاج القدم السكرية, كنا نتحدث عن العسل فسالته اذا كان قد سمع عن عسل المانوكا فقال “نعم وهو يستخدم عندنا في المستشفى”. قلت “نعم ؟ كيف يعني يستخدم عندكم؟” قال “هالعسل في خصائص مضادة للبكتيريا ونستخدمه كضمادات لجروح القدم السكرية لانه يسرع عملية الاستشفاء لدى المرضى”. قلت “يادكتور انتو تعملون بطب شعبي ولا كيف؟” قال: “لا هذا شاش مصنع من شركات طبيه ويوضع معه عسل المانوكا وهو يستخدم في اغلب مستشفيات العالم لهذا الغرض وتحديدا مع مرضى القدم السكرية”. بعدها تأكدت انني قد اشترت نوع رديء أو ربما مغشوش ايضاً فأنا لم اقم بالبحث بما فيه الكفاية لمعرفة. وعند أول عودة للبحث صدمت بمقال في صحيفة الديلي ميل عام 2015 تقول بأن عسل المانوكا المباع يعادل 3 اضعاف ماتنتجه نيوزلندا وذلك يعني ان 75% هو عسل مغشوش. وفي المقال الاخر في عام 2018 لنفس الصحيفة تذكر أن 1700 طن فقط هو ماانتجته نيوزلندا من اصل 10,000 طن تباع في أرفف بريطانيا. مايعني ان 83% من العسل في رفوف بريطانيا هو عسل مغشوش ويباع على أنه عسل مانوكا حسب تحقيق الديلي ميل المنشور. عندها عرفت أنه من المرجح أنني قد شريت المنتج الخطأ.
وعند بحثي وجدت تحقيق صحفي لقناة abc الامريكية عن عسل المانوكا تحدثو فيه عن خصائص العسل واستخداماته العلاجية وعن الغش فيه. فقد ارسلو 5 علب من 5 شركات مختلفة للمختبر الالماني وعادت النتائج بان علبتين فقط هي الاصلية. وفي نهاية التقرير قالوا بأن عسل المانوكا المرخص من منظمة UMF النيوزلندية هو العسل الوحيد الذي تستطيع التأكد بأنه عسل مانوكا حقيقي. فبدأت البحث عن هذه المنظمة وهنا أكتملت الصورة تماماً لدي. فقد وجدت انها منظمة تم انشاءها من الحكومة النيوزلندية لهذا الهدف حيث تكون منظمة متخصصة تختبر العسل وتتاكد من جودته وتركيز عنصر ال MGO المكتوب عليه. ومن ثم تقوم باعطاء ختم الجودة وهو ختم UMF على علب عسل المانوكا. ولكي تمنع أي تحايل من المنتجين تقوم بربط كل انتاج برقم معين يكتب على العلبة لتمكين المشتري من البحث عن اصل هذا العسل. كما تقدم على موقع المنظمة شهادة فحص لكل انتاج لكي يتمكن المشتري من معرفة محتويات العسل وتاريخ انتاجه وتركيز كل عنصر فيه. كما يتم طلب المنتجين من كتابة هذه المعلومات على العلبة لكي يتمكن المشتري من المطابقة بين العلبة وموقع المنظمة. عندها قررت شراء هذا العسل المرخص من هذه المنظمة وبالفعل اشتريت. اشتريت تركيز مرتفع كان سعره 10 اضعاف العلبة الاولى ولم يمر اسبوعين الا وقد تحسنت مشكلتي بشكل عجيب.
اختبار السوق
بعد هذه التجربة الرهيبة مع هذا العسل الرهيب تحمست اتكلم عنه لاصدقائي المقربي في السعودية فبدأ بعضهم يسأل عن هذا العسل. حينها بدات اشتري وارسله للسعودية مره لصديقي ومره لوالدتي ومره لوالدة صديقي التي تشتكي من القولون. كان الجميع يثني على المنتج ويطلبون المزيد لهم ولغيرهم حينها ادركت أن هناك فرصة تجارية لن تدوم طويلاً. قررت بعدها شراء 15 علبة من عسل المانوكا بالتركيز المرتفع والذي يسمى UMF20+ وارسالها بالبريد لصديقي في مدينة الرياض لكي اتمكن من اختبار السوق وقابلية الناس لمنتج حجمه صغير وسعره مرتفع مقارنة بالأعسال الاخرى. بدأت بعدها بفتح حساب في تويتر والتغريد عن فوائد هذا المنتج. ولتأثير الجانب الأكاديمي علي، كنت أبحث عن الدراسات الاكاديمية المنشورة التي تحدثت عن فوائد عسل المانوكا حسب التجارب العلمية ثم أقوم بتلخيصها في سلسلة تغريدات. لم تكن هذه الآلية مجدية فلم يكن أحداً مهتم ولم يكن لدي الخبرة وقتها لإيصال التغريدات لعدد أكبر من الناس. غيرت الاستراتيجية الى البحث عن من يعاني من مشكلة العسل يحلها ثم اضع له منشن بسلسة التغريدات التي تحدثت عن مشكلته وهكذا. البعض أبدى اهتمامه بالمتابعة أو طرح الكثير والكثير من الاسألة عبر الخاص والبعض كان يظن أن الامر كله احتيال. مر شهر كامل من الجهد المتواصل عن طريق التغريدات واجابات الاسألة ولم يباع الا 4 علب فقط. كانت خيبة الامل كبيرة فلم أصل للنتيجة التي توقعتها في الشهر الاول. لم يكن لدي أي تجارب سابقة لكي استطيع أن أقيس عليها ما اذا كان الامر يسير بشكل طبيعي أم لا فأنا لم آتي من خلفية تجارية ولم يكن لي أي معرفة في هذا العالم.
البداية
الشهر الثاني عادو الاربعة اشخاص اللي سبق وأن اشتروا واثنوا على المنتج وطلبوا مرة أخرى وأحدهم أوصى بنا لأحد اقرباءه. قلت لنفسي: “أوه بعنا 9 علب والناس اللي اشتروا اكدوا ان المنتج جودته عالية واستفادوا منه .. ليش ما اصور تجاربهم وانشرها في تويتر!؟”. بالفعل صورت التجارب ونشرتها ورجعت ابحث عن الناس اللي عندها مشاكل في الجهاز الهضمي عشان يشوفون كيف اللي اشتروا المنتج استفادوا منه وبالفعل الحمد لله بعنا المتبقي في الشهر الثاني. قلت لنفسي “الأن عندي عملاء اختبروا المنتج و مافيه احد يوفر هالتركيز المرتفع الا انا في السعودية لازم ابدا .. احتاج تمويل من فين اجيب فلوس؟”. كان الامر صعب لان المنتج غالي من البلد المنشأ وعشان تشتري كمية جيدة تبدأ بها تحتاج مبلغ كبير وكبير جدا. كلمت بعض المقربين ولكن للاسف لم أجد أما لعدم استطاعه أو لعدم أيمانهم بالفكرة بل أن احدهم قال بالحرف الواحد ” مريض أنت؟ من اللي بيشتري ربع كيلو ب 450 ريال”. ماتبقى لي الا الخيار الصعب وهو النمو البطيء انك تبيع وترجع تشتري كمية اكبر وهكذا. بالفعل خذيت الفلوس اللي بعت بها بعد ماعطيت خويي المندوب في الرياض نسبة من المبيعات وزدت عليها مبلغ أدخرته من مكافأة الطالب.
أشتريت 25 علبة وارسلتها للسعودية وصل منها 19 علبة سليمة و 5 صار فيها تسريب وعلبة فتحوها الجمارك وغرمونا على الشحنة لان ماعندنا سجل تجاري. قلت ” آها بدينا مشاكل .. طلع فيه خساير مو بس ربح”. اول ماوصلت كانو العملاء اللي سبق وان اشترو ينتظرون الشحنة وبالفعل بعنا 8 علب أول يوم وتواصل معنا أمير ماندري كيف سمع بنا وقال “أنا اشتري هالنوع من نيوزلندا دايم وزين انكم وفرتوه وبهالسعر الجيد.. كم عندكم منه” قلنا باقي 11 علبة بس قال “انا باخذها كلها” كان أجمل ايام هذيك السنة بالنسبة لي لاني عرفت ان فيه فعلا فرصة ممتازة.
اذا كنت الأول لاتبدأ الا وأنت مستعد
فتحت سجل تجاري ولم أستطع أن اجد أحد يمول المشروع فاستمريت على طريقة النمو الطبيعي بيع ثم شراء. ولكن كان لهذا الامر اثر سيء لاني لازم ابيع واجمع الفلوس واشتري البضاعة بعدين اشحنها وتاخذ وقت الى ان تصل فيخلينا نوقف قرابة الاسبوعين الى الشهر في كل مرة. جلست على هذا الوضع لمدة سنة ولكن لم أكن أعرف ان هناك منافسين أقوياء دخلوا للسوق بشكل قوي وبرؤوس أموال مرتفعة وبميزانيات تسويقية وغيره. ولم أفيق من هذه الصدمة حتى ضربت جائحة كورونا العالم فتوقف الطيران ولم تخرج الشحنة التي كنت أعول عليها كثيراً في النمو المرجو. الشحنة متوقفة لاكثر من ثلاث شهور ولايوجد طيران واعلاقة أصبحت متوترة مع المورد وبما أن المصائب لا تأتي فرادا فهناك تاجر يفاوض العلامة التجارية التي استورد منها العسل للحصول على وكالة حصرية لبيع منتجاتهم وقد وصلوا الى شبه اتفاق. قلت لنفسي “طيب والشغل لمدة أكثر من سنة وأنا اسوق لهذي العلامة بيفوزون فيه بكل برودة!!”. الدرس قاسي ومؤلم ولكن أنا اتعلم، لامكان للعواطف في عالم التجارة إن لم تكن مستعد فغيرك من هو مستعد.
قرار التوقف
قلت لنفسي ” لازم أوقف وأخذ خطوة لورا وأقيم الموقف .. ماراح استسلم لانني بكل بساطة اعرف في قرارة نفسي انا اللي نجحت العلامة النيوزلندية .. فإذا قدرت أوصل للعسل بالجودة العالية من أي مكان في نيوزلندا فأكيد راح انجح مرة ثانية بكل بساطة”. جاء سؤال ثاني “طيب والموردين؟ .. هل أثق في الموردين؟ .. كيف لو انسحب علي مرة ثانية؟ .. أكيد لازم اسوي عقد بس ليش يكتبون معي عقد وأنا ماعندي القدرة اشتري الكميات اللي يشترطونها؟ .. وحتى لو كتبوا معي عقد بعدين قرروا يدخلون السوق السعودي بأنفسهم ويسحبون علي”. اسألة كثير لها أول مالها آخر بدأت تتدفق في ذهني فاخترت قرار التوقف المؤقت لترتيب أفكاري مرة أخرى.
التخطيط
أول شيء لازم اجد تمويل عشان اقدر أسوي شيء يتوازى مع رؤيتي. الشيء الثاني لازم أبني علامة تجارية متخصصة عشان أقدر اربط عملائي بها. ولازم اخطط لكل صغيرة وكبيرة قبل ما أبدأ بدءاً من استراتيجية العلامة و الهوية البصرية الى سلاسل الامداد الى التسويق الى كل شيء. توقعت أن الامور بسيطة ولكن كانت معقدة وتفاصيلها كثيرة. وزادها تعقيداً أني أحب أقف كل شيء بنفسي. استعنت بمتخصصة عملت معي لمدة سنة كاملة عملنا فيها على بناء العلامة كاملة واستطعت أن أحصل على التمويل اللي احتاجه كبداية.
العودة بالشكل الجديد
تم تأسيس واطلاق العلامة التجارية بيت المانوكا Manuka Home بهويتها الجديدة. تم صناعة هذه العلامة لتقدم منتجات عسل المانوكا النيوزلندي بصورة فاخرة حيث تهتم العلامة بتجربة العميل بدءاً من اختيار أجود أنواع عسل المانوكا و مروراً بالتعبئة ومن ثم التقديم في صناديق فاخرة وانتهاءً بخدمة العملاء المميزة جدًا. تميزنا عن منافسينا بأننا دخلنا السوق النيوزلندي حيث تم تسجيل وترخيص العلامة في المنظمات النيوزلندية المتخصصة ثم تميزنا بتوفير جميع تراكيز عسل المانوكا وبأحجام مختلفة لعملاءنا. ولم يستغرق الأمر أكثر من 6 أشهر حتى ارتفعت معدلات الزيارت الغير مدفوعة من محركات البحث لضعف مايحصل عليه أقوى منافسينا. اليوم مازال العمل جاري على مدونة متخصصة تهدف لاثراء المحتوى العربي من خلال ترجمة الابحاث وكتابة المقالات المتخصصة في هذا المجال.
أخيراً دروس مستفادة
- لاتستهين بقدراتك وصدقني الاب الغني والاب الفقير مالهم دخل
- كن الأول .. لاتكون الافضل
- خطط خطط خطط .. العشوائية تدخلك في حيط في الغالب
